ابن رشد

93

تهافت التهافت

الحال التي لم يفعل فيها شرط من شروط وجود المفعول فهو بيّن أنه قد حدث في وقت الفعل صفة لم تكن قبل الفعل في الفاعل ، وكل حادث فله محدث ، فيلزم أن يكون قبل السبب الأول سبب ويمر ذلك إلى غير نهاية ، وقد تقدم ذلك . قال أبو حامد : الفرقة الثالثة : الأشعرية ؛ إذ قالوا أما الأعراض فإنها تغني بأنفسها ولا يتصور بقاؤها إذ لو تصوّر بقاؤها لم يتصور فناؤها لهذا المعنى ، وأما الجواهر فليست باقية بأنفسها ولكنها باقية ببقاء زائد على وجودها ، فإذا لم يخلق اللّه تعالى البقاء انعدم الجوهر لعدم البقاء . وهو أيضا فاسد لما فيه من مناكرة المحسوس في أن السواد لا يبقى والبياض كذلك وأنه متجدد الوجود والعقل ينبو عن هذا كما ينبو عن قول القائل أن الجسم متجدد الوجود في كل حالة والعقل القاضي بأن الشعر الذي على رأس الإنسان في اليوم هو الشعر الذي كان بالأمس لا مثله يقضي أيضا بذلك في سواد الشعر . ثم فيه إشكال آخر وهو أن الباقي إذا بقي ببقاء فيلزم أن تبقى صفات اللّه تعالى ببقاء وذلك البقاء يكون باقيا ببقاء فيحتاج إلى بقاء آخر ويتسلسل إلى غير نهاية . قلت : هذا القول في غاية السقوط ، وإن كان قد قال به كثير من القدماء ؛ أعني أن الموجودات في سيلان دائم ، وتكاد لا تتناهى المحالات التي تلزمه . وكيف يوجد موجود يفنى بنفسه فيفنى الوجود بفنائه فإنه إن كان يفنى بنفسه فسيوجد بنفسه وإن كان ذلك كذلك لزم أن يكون الشيء الذي به صار موجودا به بعينه كان فانيا ، وذلك مستحيل ، وذلك أن الوجود ضد الفناء ، وليس يمكن أن يوجد الضدان لشيء من جهة واحدة ، ولذلك ما كان موجودا محضا لم يتصور عليه فناء ، وذلك لأنه إن كان وجوده يقتضي عدمه فسيكون موجودا معدوما في آن واحد ، وذلك مستحيل . وأيضا فإن كانت الموجودات إنما تبقى بصفة باقية في نفسها فهل عدمها انتقالها من جهة ما هي موجودة أو معدومة ، ومحال أن يكون لها ذلك من جهة أنها معدومة ، فقد بقي أن يكون البقاء لها من جهة ما هي موجودة ، فإذا كل موجود يلزم أن يكون باقيا من جهة ما هو موجود ، والعدم أمر طارئ عليه ، فما الحاجة ليت شعري أن تبقى الموجودات ببقاء ، وهذا كله شبيه بالفساد الذي يكون في العقل ، ولنخل عن هذه الفرقة فاستحالة قولهم أبين من أن يحتاج إلى معاندة . قال أبو حامد : الفرقة الرابعة طائفة من الأشعرية قالوا إن الأعراض تغني بأنفسها ، وأما الجواهر فإنها تغني بأن لا يخلق اللّه تعالى فيها حركة ولا سكونا ولا اجتماعا ولا افتراقا